لا يفتأ جمهور المثقفين، وجموع المناضلين السياسيين، ينادون ويتصايحون: لا للتمديد، لا للتوريث! وهم في دعواهم هذه يزعمون أنه الشعار الذي تجمَّع حوله الشعب، والتحف به كل صاحب رأي، والتقت عليه أحزاب اليسار واليمين ، والاسلاميون والعلمانيون ، والمحافظون والتقدميون. والمسألة عندهم جميعا سياسية؛ أصلها الدكتاتورية، وحكم الفرد، وحلها الديمقراطية، وتداول السلطة. فهل صحت الدعوى؛ وهل صدق المدعون؟
يخطيء من يظن أن المسألة سياسية؛ بل هي اجتماعية ثقافية، لا يرتكبها فرد بعينه، بل يرتكبها كل فرد. أليس أساتذة الطب هم أبناء للأساتذة، وأبناؤهم أساتذة الغد؟ أليس أصحاب الأعمال هم من أسر معروفة، بل يتخصص بعضها في ألوان من التجارة لا تتغير؟ أليس العاملون بالشرطة هم أبناء لواءاتها؟ أليس كثير من الصحفيين إنما ورثوا المهنة عن آبائهم؟ أليس التعيين في الوظائف الحكومية إنما يقتصر على أبناء كبار الموظفين؟ أليست الدبلوماسية تجري في عروق النبلاء لا يصل إليها أبناء الرعية إلا فيما ندر؟ ومن أنكر هذا فليذكر لنا أسماء الممثلين، والممثلات، والمخرجين، والمصورين، بل والعاملين بالماكيير وغيرها؟ أليسوا هم أبناء وبنات أسلافهم من العاملين بالمهنة؟ يتعجب أحدهم من رغبة الرئيس في الاستمرار، وهناك من الأسباب والمبررات ما يملأ صفحات؛ لكنهم يشاهدون فتيات الشاشة يسرا، وإلهام شاهين، وبوسي؛ بل ونادية الجندي ونبيلة عبيد، ولا يربطون هذا بذاك، مع أنه أمر لا مبرر له. تحصل نبيلة عبيد عن دور في مسلسل تلفزيوني يصور قريبا على ثلاثة ملايين، فلا تتحرك مظاهرة تقول لها كفاية، والمال مال الناس. وليت الأمر اقتصر على هذا، بل الغفلة جعلت الجموع تخرج خلف القضاة، الذين نتحدث عنهم بشكل خاص في المستقبل إن أحيانا الله، هاتفة مهللة لا للتمديد، لا للتوريث، والقضاة هؤلاء من رفع لهم سن المعاش إلى الرابعة والستين عام 1993، ثم إلى السادسة والستين عام 2002، ثم إلى الثامنة والستين في العام التالي 2003، وكانت الاشاعات تتردد عن رفعها إلى السبعين في نهاية العام الماضي. أهؤلاء من يقولون لا للتمديد؟ لقد وافق مجلس القضاء الأعلى على تعيين 31 قاضية ورئيسة محكمة فكانت 13 منهن من بنات المستشارين؛ أهؤلاء من يصرخون لا للتوريث؟ ليس العجب أن يبقى الحاكم ويورث ابنه؛ العجب أن يكون استثناء شاذا عن شعبه ولا يفعل ذلك.
الظاهرة اجتماعية ثقافية إذن؛ فما أسبابها؟ مجمل القول فشل المشروع الحداثي في أوطاننا، فالواقع ليس في حقيقته مؤسسات معلومة، وبيروقراطية منتظمة، ومجالات للنشاط محددة، ودولة ذات دستور، ومجتمع مدني له تاريخ وأصول؛ ولا هو بالواقع التقليدي من بنية اجتماعية قوامها القبيلة أوالعائلة، واعتمادها على ما رسخ واستقر من أعراف وتقاليد. الواقع هو مسخ بين هذا وذاك، فما قصة ذلك، وما الذي أفضى إلى هذا الوضع؟ هذا ما نتركه للنقاش من خلال التعليقات.









